ـــ رسالة مفتوحة إلى الكاتب الأول للإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ـــ
هي ، أولا ، رسالة رأينا ضرورة توجيهها إليكم عن طريق الصحافة الوطنية ، خاصة و أنها رسالة تعبر عن هم لا شك يشاركني فيه العديد من المناضلات و المناضلين و المواطنات و المواطنين ، لذلك تجدني أتحدث إليكم بصيغة نحن ، لعلنا نقف جميعا عند ذلك العنصر الجوهري المتمثل في علاقتنا بالوطن . و هي ، ثانيا ، رسالة تروم مخاطبة الحس السياسي المفترض في كل مناضلة و مناضل إتحاديين ، إنطلاقا من واقع مغربي عنوانه مشهد سياسي يبعث على القلق و الشك و توجس القادم من الأيام . وهي أيضا ، رسالة تنشد إثارة انتباهكم إلى حقيقة الشعور الذي نحس به و نحن نرى كيف أن وطننا العزيز ، يدخل يوما بعد آخر نفقا من الغموض و الترقب و كل عوامل الإحباط و اليأس ... هناك وضع غير طبيعي يحكم العلاقة بين السلطة و الحرية ببلادنا ، هناك فراغ كبير يتمظهر في حكومة شبح لا علاقة لها بواقع الشعب المغربي و إنتظاراته ، هناك فئوية مقلقة تضرب المساواة أمام القانون و تكافؤ الفرص بمختلف تمثلاتها عرض الحائط ، هناك شطط بشع في استعمال السلطة و اتخادها مسلكا لتحقيق مصالح فئوية على حساب المواطن ، هناك تباعد كبير بين الخطابات الرسمية و واقع الممارسة ، هناك الفقر المتفشي في استمرارية مؤلمة بين صفوف شرائح واسعة من الشعب المغربي ، هناك أيضا ألم يعتصر أفئدة من يكتوون يوما بعد آخر بغياب عدالة إجتماعية لا طالما شكلت خريطتنا النضالية نحو مغرب كل المغاربة ، و هناك العديد من المظاهر و الأسئلة المصاحبة لها ، المفترض أن نقف عندها بكل جرأة و قوة و روح اتحادية أصيلة لا تخشى شيئا ، و لا تؤمن بغير النضال المستمر طريقا نحو مغرب الحرية و الكرامة و العدالة الإجتماعية و الإقتصاد الوطني المواطن . و هناك أخيرا ، و ليس آخرا ، سؤال الأدوار المنوطة بنا كخلف لنساء و رجال قدموا الغالي و النفيس من أجل مغرب الديمقراطية و العدالة و حقوق الإنسان ، من المناضلين الاموات و الاحياء الذين وهبوا ماضيهم و حاضرهم لوطن ينبض بدقات أحلامهم المواطنة ... إن الواقع المغربي اليوم يبعث على القلق ، خاصة في ظل مجموعة من التراجعات المسجلة على كافة المستويات منذ سنة 2002 ، أي منذ ما أسميناه حينها بالخروج عن المنهجية الديمقراطية ، غداة تعيين إدريس جطو وزيرا أول ، رغم إحتلال حزب القوات الشعبية ، حزبنا ، للمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية لنفس السنة ، بعد تجربة حكومية متميزة برئاسة الأخ المجاهد الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي ، الذي لا شك سيظل راسخا في ذهن الشعب المغربي ، كوزير أول حقيقي ، بشخصيته القوية و فاعلية حضوره كرمز وطني اعطى لمؤسسة الوزير الأول حقها ، بالرغم من كل العراقيل التي وضعت في طريقه من أجل إفشال عمل حكومته ، و بالتالي القضاء على تجربة الإنتقال الديمقراطي في مهدها . و قد أصبحنا نرى كيف أن ما تحقق من مكتسبات طيلة سنوات عسيرة من النضال ، ينهار أمام عقلية قديمة متجددة لا ترى أبعد من أنف مصالحها الفئوية ، مثلما أصبحنا نلامس يوما بعد آخر حقائق تؤكد حقيقة أن البلاد تسير في نفق مظلم وحده الخالق من يعرف خباياه القادمة ، و هو ما يفترض منا ، بل و يطالبنا ، كإتحاديات و إتحاديين ، أن ندق ناقوس الخطر ، و أن نقف وقفتنا التاريخية في وجه من يحسب الوطن خزانة أملاكه الخاصة ... إن البلاد تعيش حالة فراغ حقيقي ، و الشعب المغربي لم يعد يثق في أية مؤسسة ببلادنا ، إذ بالرغم من كل محاولات إخفاء شمس الحقيقة بغربال الهروب من الواقع ، يتأكد يوما بعد آخر بأن المغرب ، وطننا ، في الحاجة إلى تلك الرجة التي لا يمكن أن تأتي من غير أبناء المهدي وعمر و عبد الرحيم ، تلك الرجة التي تعيد الامور إلى نصابها ، و تعيد معطى التوازن في علاقات التفاعل السياسي بين المؤسسات ببلادنا ، و بالأخص منها ، تفاعل الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية مع المشهد السياسي الوطني ، و مع مؤسسات البلاد و على رأسها المؤسسة الملكية . تلك الرجة القادرة على فسح المجال أمام الأمل ليحل محل رؤية باتت ترى بأنه لا أمل في الأفق ، و لا أفق في الافق . تلك الرجة المتمثلة في عودة الأسئلة الوطنية المواطنة المستفزة ، التي لا تؤمن بأي خط أحمر كيفما كان لونه أو شكله أو منبعه. تلك الرجة الإتحادية القادرة على بعث الحياة و من جديد في علاقة المواطنة و المواطن المغربيين بما يدور حولهما . تلك الرجة الكفيلة بتكسير الحواجز النفسية التي يضعها البعض سدا منيعا ما بين الوطن و المواطن ... لقد كانت لنا مناسبات عديدة ، عبرنا فيها بكل مسؤولية عن رؤيتنا للموقع الطبيعي لحزب القوات الشعبية في المرحلة الراهنة ، و قلنا في المؤتمر الوطن الثامن للحزب بأن مشاركة الإتحاد في حكومة ما بعد السابع من شتنبر 2007 خطأ كبير سيكون له ما بعده ، و قلنا بانها حكومة لا شرعية ، و أن الممارسة الديمقراطية الحقة تفرض احترام صوت الشعب المغربي ، سواء منه من عبر عن رأيه بمقاطعة الإنتخابات ، أو العزوف بلغة المراوغة ، أو أولائك الذين لم يضعوا ثقتهم في الإتحاد الإشتراكي ، حبا فيه أحيانا ، غضبا منه أحيانا أخرى ، تأنيبا و تأديبا له ، و محاسبة له على تماهيه مع العمل الحكومي غالبا ، و قلنا كذلك باننا نشاركة في حكومة لا وجود لها سوى على الاوراق ، و لا صدى لها إلا ما تصدح به أبواق الإعلام الرسمي . و لقد عبرنا أكثر من مرة عن رفضنا المشاركة في العدم ، و إختلفنا كثيرا مع إخوة لنا يتشبثون بالمشاركة الحكومية كما يتشبث الرضيع بثدي أمه ، متناسين أن الهوة تتسع يوما بعد آخر بيننا و بين ما نحن مطالبون به كمناضلين إتحاديين تجمعهم رسالة النضال من أجل مستقبل هذا المغرب الحبيب . و اليوم ، و نحن نرى كيف أن العبث بلغ أوجه وكيف أن البعض يستبيح التحكم في مصير وطن و شعب ، وكيف أن البعض الآخر يسابق الزمن من أجل تمييع كل ما هو جدي ببلادنا ، بتبخيس العمل السياسي ، واختزال الشأن العام في نزوات فردانية تنهش لحم الوطن من موقع السلطة أحيانا ، والقرب من المؤسسة الملكية أحيانا أخرى ،انطلاقا من مخطط فئوي بقدر ما يحاول تقديم نفسه كمشروع مجسد للتوجه الملكي ، بقدر ما يشكل خطورة حقيقية على مصلحة الوطن الذي تظل الملكية إحدى ركائزه الأساسية ، لا فيما يتعلق بعنصر الاستقرار فقط ، و لكن بالضرورة أدوارها الأساسية في خلق ذلك التوازن المجتمعي المؤسس على كونها الحكم المحايد... إننا بذلك ، في مغرب اليوم أمام مسلسل خطير تتسارع حلقاته بما يؤشر على العودة للماضي في صوره البشعة ، إذ بتنا نعيش اليوم ، في هذا الوطن العزيز ، فصلا آخر من فصول العبث . وبصرف النظر عن موقفنا المؤسس على إستراتيجية النضال الديمقراطي ، والنضال من داخل المؤسسات ، يمكن القول بأن استحقاقات 12 يونيو المقبل ، بكل تمظهرات الممارسات السلبية المصاحبة للإعداد لها ، تشكل وبحق منعطفا أساسيا في قراءتنا لطبيعة التحولات التي تعرفها بلادنا ، خاصة في ظل تحول هذه الاستحقاقات إلى مجرد مسرحية مملة خالية من أي طعم ديمقراطي . إننا هنا أمام جريمة جديدة ترتكب في حق الوطن و المواطن ، جريمة ليس أولها التكالب على المستقبل المشترك للمغاربة ، ولا آخرها تحفيظ البلاد و خيراتها باسم فئات معينة ممن يتقنون لعبة التملق و الخديعة والخضوع حد الاشمئزاز . ودورنا إزاء ذلك، وقد رفعنا وبقوة اتحادية صادقة شعار محاربة الفساد و الإفساد ، هو أن نجعل من هذه المحطة معتركا سياسيا وبامتياز ، ليس فقط بالبحث عن السبل الكفيلة بقلب الموازين و الدفع بالمواطنين إلى الاختيار الحر المؤسس على المواقف لا الأشخاص . ولكن أيضا بطرح الأسئلة الحقيقية المتعلقة بمتطلبات الإصلاح الحقيقي ببلادنا .... لقد عاشت بلادنا فيما مضى نماذج لأفراد ظلوا طويلا يرسمون معالم مستقبل مصالحهم باسم الدفاع عن الملك و الملكية و الوطن أحيانا عديدة ، وأثبت الواقع خطورة ما كانوا يخططون له في حق الوطن و الشعب و الملك نفسه ، و كان الاتحاد و الاتحاديون السد المنيع الذي حال دون هؤلاء و الفتك بمصير الشعب المغربي ، لسبب وحيد هو أساس الفكرة الاتحادية ككل : النضال المستميت من أجل الوطن . هذا الأخير الذي يطالبنا اليوم بأن ننزع عنا طوق التردد ، وأن نعبر عما يختلج صدورنا بكل وضوح ومسؤولية وأن نعمل على أجرأة ما نص عليه البيان الختامي للمؤتمر الوطني الثامن لحزبنا بخصوص الأفق الذي لابد أن نضع مشاركتنا الحكومية فيه ، أي ذلك الأفق الذي أردناه مشعا بنفس متفائلة ، أفق الإصلاح السياسي و الدستوري ، وأفق التحضير لانتخابات 2009 الجماعية ، انطلاقا من تعاقد جديد يتضح اليوم بأننا معنيون بأن نجعله تعاقد مع الشعب ومصالحه وانتظاراته دون أي حسابات سياسية مشروطة بمعطى الانتظارية القاتلة التي تشكل العنوان البارز في مشهدنا الوطني اليوم ... إننا مطالبون بأن نتخذ القرار ، وبأن نعلن رفضنا التام للمسار الذي تسير عليه الحياة العامة ببلادنا ، وبأن نرفع صوتنا عاليا في مواجهة من يعتقدون أن زمن المواقف القوية قد انقضى . و لعل مهامنا اليوم ، وارتباطها الجوهري بمصلحة الوطن و المواطن ، تلزمنا بضرورة الوقوف عند واقعنا المغربي كما هو، و مسائلة الذات الاتحادية عن السبل الكفيلة بمنح التحولات ببلادنا بعدها الوطني المستقبلي البناء ، و لأجل ذلك نطالبكم بالدعوة إلى انعقاد المجلس الوطني لحزب القوات الشعبية في أقرب وقت ، بجدول أعمال واضح ينصب أساسا على مهمة التعبير عن موقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من التحولات ، السلبية ، التي تعيشها بلادنا ، انطلاقا من خلاصات مقررات مؤتمرنا الوطني الثامن و البيان الصادر عنه ، و أنطلاقا من قراءة موضوعية و واضحة لمجمل تمظهرات العبث المتحكم في مختلف مجالات الشان العام ببلادنا .... إن اتحادنا هو من أجل مصلحة الوطن و المواطن ، من أجل مغرب كل المغاربة ، مغرب العدالة الاجتماعية ، مغرب المساواة أمام القانون ، مغرب المؤسسات المستمدة من سلطة الشعب المغربي ، أما دون ذلك فلن يكون الاتحاد اتحادا اشتراكيا للقوات الشعبية ، وهو ما لا يقبله أي اتحادي واتحادية عبر ربوع المغرب العزيز . و نحن هنا ، لسنا بمن يعتنق العدمية منهاجا له في قراءة الواقع ، و لكنها الواقعية و الموضوعية الاتحادية من ترسم تفاعلنا مع الحياة العامة ، و انطلاقا مما سبق فإنه لا يمكن بأي حال أن نتحجج بأية محطة لتأجيل ماهو أساسي و ذي أولوية ببلادنا ، لأننا اليوم أمام مطلب الوضوح وقوة الموقف إزاء كل ما يحاك ضد البلاد و استقرارها ، و هو ما نحن مطالبون بالانكباب عليه دون تردد ، انطلاقا من الوعي التام بأساس اتحادنا و الجدوى من وجوده المتمثل في مصلحة الوطن ، الوطن أولا ،الوطن دائما .
