تتساقط الجثث بالعشرات ، و تتناقل وسائل الإعلام العالمية صور الدمار و الوحشية القادمين من البشاعة الإسرائلية ، و الكالعادة ، عند كل محطة من محطات الدماء المسترسلة في واقعنا العربي ، تهتز المشاعر غضبا ، و تحبل شوارع المدن الكبرى عبر ربوع الوطن العربي ، مع بعض الإستثناءات الخليجية ، بمئات من الوقفات التضامنية الحافلة بشعارات التنديد و الغضب و الوعيد و الأدعية و غير قليل مما نحن فيه من واقع يبعث على الحسرة و الألم ... من منا لم تدمع عيناه حزنا على ضحايا الهجمة الصهيونية بغزة؟ و من منا لم يجتر ، كما تعودنا طيلة تواتر الخيبات العربية من العراق إلى لبنان إلى فلسطين وغيرها ، أحاسيس الغضب و عبارات التنديد و الخجل من الواقع العربي البئيس؟ من منا لم يجد نفسه أمام سجالات تبتدئ في الوقفات التضامنية لتنتهي في المقهى أو المنزل أو حتى الحانة المجاورة لساحة الإحتجاج؟ ... هناك دماء كثيرة تجري تحت جسر الهروب من حقيقة ضعفنا ، و هناك نحن ، كما نحن ، أمة تتقاذفها الأحداث و ردود الأفعال ، فتجب بعضها البعض ، لتصبح الذاكرة أداة فعلية لكبح العواطف و مد العقول بمعيقات التفكير المؤسس على استخلاص الدروس ، بحيث تصبح معها جرائم الحركة الصهيونية مجرد خبر عاجل قد تمتد آثاره لتحرك ظرفيا شوارع العواصم العربية و الأوربية و غيرها ، دون ان تتجاوز الأمور ذلك لتصب في جوهر الإشكال . و الحال ، و نحن أمام هول ما وقع من سفك لأرواح أبناء الشعب الفلسطني ، أن الإشكال يكمن ضمنيا في طبيعة ردود أفعالنا البئيسة ، سواء ذلك على المستويين الشعبي أو الرسمي ، لأن واقعنا يؤكد إدماننا على اجترار نفس طرق التعبير عن الغضب ، و نفس طرق تدبير صورة تعبيرنا عن ذات الغضب ، بل و إدماننا الهروب إلى الأمام و رمي من نختلف معه ، و إن ظرفيا ، بسهم الخيانة و التواطئ مع العدو ، و هو أمر ركزت عليه العديد من القنوات الإخبارية طيلة متابعتها لتبعات المجزرة الإسرائيلية و ردود الأفعال الشعبية العربية المتعلقة بها، خاصة منها تلك المسماة جزيرة الحركات الأصولية . و ما الوقفة التضامنية التي شهدتها العاصمة الرباط إلا نموذج بسيط على ذلك ، حيث برز بالملموس أن في الأمر ما هو أكبر من مجرد التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطني الشقيق في محنته ، لدى البعض على الأقل ، حيث ظهر بأن في المسألة نوع من التصريف العملي لطبيعة الإنقسام الذي يشهده الصف الوطني الفلسطيني ، أي فلسطين الضفة و القطاع ، فلسطين السلطة الوطنية و فلسطين حماس ، و بالتالي مغاربة هذا الطرف أو ذاك ، و تلك هي الطامة الكبرى كما يقال ، أو بالأحرى ذلك هو التعبير الحقيقي عن طبيعة الإشكال المتحكم في ردود أفعالنا البئيسة مرة أخرى ، لأن السقوط في في فخ الصراع الداخلي الفلسطيني هو خطأ في صالح العدو الصهيوني الذي يسوق جرائمه بمنطق الدفاع عن النفس و محاربة الإرهاب المتمثل، لديه ، في حركة حماس . فالمطلوب منا، على الأقل كشعوب و كحركات سياسية و حقوقية و مجتمعية ، أن نتجنب الوقوع في شراك اختزال القضية الفلسطينية في الدفاع عن حماس أو فتح بمنطق الحسابات السياسية الضيقة ، لأن العدو يهمه أن يمتد الإنقسام الفلسطيني الداخلي ليمس مواقف الشعوب العربية و تعبيراتها التفاعلية مع القضية الفلسطينية ، و نحن و إن كنا قد نتفق مع هذا الطرف أو ذاك لا بد و ان نضع نصب اعيننا أن وحدة الصف الفلسطيني هي الكفيلة بالمضي صوب تحقق ما هو في صالح الشعب و القضية الفلسطينية ، و يالتالي يكون من اللازم ان نسير في اتجاه تذويب الخلافات الأخوية ، لا أن نسكب الزيت على النار الآتية على الأخضر و اليابس ، كما تقوم بذلك بعض الأبواق التي لا يفهم المرء حقيقة مقاصدها ، فالواقع يؤكد ان القادم أسوء ، و أن أنانية الموقف لا يمكن إلا ان تكون مدخلا آخر لنكسة إنسانية جديدة ، ضحاياها أطفال و نساء و شيوخ فلسطين ، و صانعيها كما الحال دائما ، عدو يتقن استثمار اختلاف الإخوة من جهة ، و من جهة ثانية ، للأسف ، إخوة أشقاء عرب و مسلمون يمتطون العواطف الجياشة دون أن يدركوا بان المدخل الأساسي لتحرير الأرض يكمن في تحرير الفكر ، و هو ما سبق و تطرق إليه الشهيد عمر بنجلون عندما نبه إلى ضرورة أن نعي جميعا بأنه "على الشعب الفلسطيني ان يحرر وطنه ، و أن مساندته هي أولا في الإعتراف له بحقه في تقرير الوسائل و الأساليب التي ينوي استعمالها في تحرير وطنه ، و أن تحرير فلسطين ، مجرد التحرير ، يقتضي أولا تحرير الفكر." و الحال اليوم أن ثنائية المفاوضات و المقاومة تبقى خيارا تتقاسمه القوى الفلسطينية و تختلف حوله ، الأمر الذي لا نملك امامه سوى البحث عن مساعدة الإخوة في التوافق على مسار التحرير الموحد ، بعيدا عن الصراعات السياسية و التلاعب بالدين و تبادل التهم ، لأن فلسطين في حاجة لكافة أبنائها ، و لأن عواطفنا و تضامننا مع القضية الفلسطينية، لا يمكن بأية حال أن يمنحنا سلطة إصدار الأحكام في وجه الإخوة الفلسطينيين و إن كنا لا نتررد بالبوح بأن في خلافهم ضرر لهم و للقضية ، و أن ردود أفعالنا ، و إن اتسمت بالبؤس ، تظل عنوانا على ذلك الهم المشترك الذي ، وحده العدو يستفيد من خفوت بريقه إذا ما استمرت خلافاتنا وقراءتنا المتشنجة لما تحفل به الساحة الفلسطينية من ألم و حزن و ..... أمل.... قائمة.
الرباط : السبت 27/12/2008
