الدعوة التي أطلقتها مؤخرا الحركة الإسلامية المغربية لمقاطعة الاستحقاقات التشريعية ليوم سابع شتنبر، تضعنا و بحق أمام سؤال ما وراء النتائج الممكنة لذات الانتخابات و توابعها على كافة المستويات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ببلادنا. إذ الملاحظ أن دعوة المقاطعة تلك، تستمد مشروعيتها بحسب أصحابها من الشريعة الإسلامية في شقها المتعلق بواجبات الفرد المؤمن الخاضع لأوامر الدين الإسلامي و المنتهي عن نواهيه، أي أنها تنهل من نفس الثقافة القائمة على استغلال الدين في تمرير المواقف السياسية و تحقيق المكاسب المرتبطة بها، تماما مثلما هو الحال بالنسبة للجناح الإسلامي المنخرط في العملية السياسية، الذي ترتكز جل مواقفه على الجوانب الاخلاقوية المصبوغة بالطابع الديني في مسعاه نحو توسيع قاعدته الانتخابية. بحيث يصبح بذلك الدين الإسلامي أداة طيعة في يد حركات المرجعية الاسلاموية، سواء في حالتها المرتبطة بالرفض التام للسياق العام الذي تعرفه بلادنا، أو في حالة تقاطع مصالحها مع ذات السياق من خلال توظيفها الممنهج للدين كخارطة طريق معبدة نحو سلطة الحكم. و لعل ما يثير و بقوة في هذا التجاذب الحاصل بين إسلاموي المقاطعة من جهة و إسلاموي المشاركة من جهة أخرى، ذلك المعطى المرتبط بمدى قدرة هؤلاء على التحكم في النتائج المحتملة لذات التجاذب عند لحظة المكاشفة أمام الرأي العام الوطني، خاصة و أن غياب المشروع المجتمعي لإسلامويي المشاركة و ركوبهم على الحس الديني لتحقيق مرادهم، معناه في حالة وقوف أتباعهم عند الحقائق الخفية لممارستهم تلك، التحول صوب فكرة المقاطعة، و صوب الرؤية الأصولية المغرقة في التطرف و الانغلاق و الرفض الجذري لكل ما هو مرتبط بالثقافة المغربية المؤسسة على الوسطية و الاعتدال. إذ في ظل الحديث عن الاختلاف القائم في تفاعل مختلف تيارات الإسلام السياسي مع الواقع المعيش، من خلال الفصل بين تلك التي تدعي الاعتدال و القبول بشروط الفعل المرتبط بالشأن العام ، و تلك التي تعتبر نفسها المعنية الوحيدة بامتلاك الحقيقة الدينية الموجهة لكل فعل مجتمعي، تصبح عملية التوظيف الانتهازي للنصوص الدينية في الممارسة السياسية، سلاحا يصعب التحكم في توابع نتائجه الصادمة للمجتمع ، و بالأخص شرائحه الخاضعة بشكل كلي لمنطق العاطفة في استهلاك مجمل الخطابات القادمة من الحسابات الانتخابية لإسلامويي البحث عن السلطة، لأنها بذلك تصبح أمام خيار ثان يعتقد بعدم جدوى الفعل من داخل المؤسسات، بالنظر إلى انكشاف العجز التام لأصحاب المرجعية الاسلاموية المنخرطة في هذه الأخيرة من جهة، و بالنظر إلى تفاقم المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية الناتجة عن غياب المشروع المجتمعي التنموي لهؤلاء من جهة ثانية، الأمر الذي يحيلنا و من جديد على حقيقة فهم دعاة الاعتدال لتوابع انغماسهم الكلي في منطق الهرولة نحو السلطة، و حقيقة تحكمهم في خيوط مستقبل يصعب اختزال ما يمكن أن يأتي به في خطابات النوايا المؤسسة على وجهة الدين كحل أول و أخير، خاصة و أن البديل في حالة اصطدام الاعتدال بحاجز الفشل، سيكون بمثابة الحافز أمام الرؤى الاسلاموية المؤسسة على العنف و الخيارات القريبة منه، و هو ما يفترض أن ينتبه إليه الجميع ما دام استقرار بلادنا مهدد بسيناريو من ذات القبيل. فالدعوة إلى الاحتكام إلى البرامج الانتخابية و المشاريع المجتمعية الواضحة في التواصل مع الناخبين قبيل الانتخابات التشريعية المقبلة لا يمكن أن تظل في خانة الترف الفكري عند البعض، مثلما أن التأكيد على ضرورة الابتعاد عن التوظيف الانتهازي للدين الإسلامي في الممارسة السياسية أمر يجب أن يقطع مع المناسبتية ليصير و بحق جوهر الفعل المؤسس للعمل السياسي الواضح و البناء، ذلك أن الدعوة لمقاطعة الموعد الانتخابي المقبل التي يتشدق بها البعض في تفاعلهم مع المتغيرات التي تعرفها بلادنا، و إن كنا نحترم حقهم و وجهة نظرهم، تضعنا أمام استلاب جديد للقوة الشعبية عبر الإيهام بلا شرعية المشاركة و خروج أصحابها عن الواجبات المفترضة في كل فرد مسلم، و هو نفس الاستلاب الذي ينزل بالفرد الناخب المطالب بالتصويت لصالح أحد الفقهاء أو بعض الرجالات المتشبثين بالدين كآلية للوصول إلى الحكم و كهدف غامض يربط الإشكالات المجتمعية بغياب الأخلاق دون الفصل في الصيغ الكفيلة بتحقيق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية للبلاد، بحيث تسقط الروحانيات في فخ السياسوية و يصبح المواطن البسيط سجين خيارين بسقوط أحدهما ترجح كفة الآخر. و ما دام العمود الفقري لمنهجية إسلامويي المشاركة في استقطابهم للأتباع و المريدين ينحصر في الاستغلال المستمر للخطابات الدينية و الاخلاقوية، دون القدرة على التماس مع جوهر المشاكل المغذية لمطالب الجماهير الشعبية، فلا شك أن الفشل في تحقيق الوعود سيكشف القناع عن هؤلاء، و هو ما يضع وطننا أمام احتمالات التوجه صوب خيارات أكثر تطرفا ، مثل تلك التي زرعت الرعب في دروب البيضاء ، إذا لم يتحمل كل واحد منا مسؤوليته في فضح كل ما يحاك في كواليس التكالب على المستقبل الجماعي للشعب المغربي، بدءا من التهافت الأعمى على التوظيف الجشع للدين، وصولا إلى كشف حقيقة الركوب على انتظارات المواطن و انفكاك عقدة لسان من كانوا دوما و أبدا يقبلون بلعق بقايا من يتقنون أكل كتف المجتمع.


