لا بأس أن ننطلق في مقالنا هذا من سؤال مركزي حول المشترك الذي يجمع مناضلات و مناضلي حزب القوات الشعبية و يوحدهم في مسيرتهم النضالية من أجل مغرب كل المغاربة ، ليس بحثا عن الإجابة في حد ذاتها و لكن رغبة في إثراء النقاش الصحي المتواصل منذ ما قبل التحضير للمؤتمر الوطني الثامن للحزب ، المرتبط بثنائية السياسي و التنظيمي و أولويات المواضيع المفروض الانكباب عليها و نحن نؤسس لمرحلة جديدة في حياة حزب قدم أبناؤه الغالي و النفيس من أجل مغرب كل المغاربة ، و التكرار منا من باب التأكيد و التذكير في آن واحد ... طيب إذن ، لنكن صرحاء مع أنفسنا قبل كل شيء ، و الصراحة منا تقتضي الوضوح و عدم الركون إلى منطق الهروب من الحقائق المزعجة ، و لنتساءل بكل قوة نضالية : ما الذي بات يؤرق مضجعنا في ممارستنا النضالية داخل وطن و حزب هما الدم السائر في العروق ؟ أين تتجسد بواعث القلق في تعبيرات القوات الشعبية و منها مناضلات و مناضلي حزب الفقيد عبد الرحيم بوعبيد ؟ بل و أية رسالة قدمها المؤتمرات و المؤتمرون ، أسياد القرار في مؤتمر سيد نفسه ، و هم يضعون بصدق النضال أصابعهم على الداء المتفشي في جسد وطن غارق في ضبابية سياسية و اقتصادية و اجتماعية لا تبشر بالخير ؟ و من ثم ، ما الذي يجمعنا أصلا في هذا الحزب المزعج دوما و أبدا ؟ من نافلة القول التذكير بأن المشترك الأساس هو مصلحة الوطن ، و من البديهي أن نختلف في إطار نفس المشترك عن السبل المحيلة إلى إقرار واقع مغرب كل المغاربة ، لكن ما هو أساسي بالنسبة لمن يؤسس لمرحلة جديدة في مساره النضالي ، يكمن في ضرورة اقتناعه و إيمانه التامين بأن المسار النضالي هو طريق شاق لا نهاية له ما دامت الحياة مستمرة ، و بأنه لا ينتهي بمجرد تحقق بعض رهاناته ، و بأنه مسار تتحدد تمثلاته الواقعية بحسب طبيعة التحولات و الوقائع التي تعرفها و تعيش على إيقاعها البلاد ، أي تلك التحولات التي على أساسها ووفق معطياتها تتحدد طبيعة الأولويات المفروض التفكير فيها عند كل مناسبة تسمح بذلك ، و الحال أن المؤتمر كأعلى سلطة تقريرية في الحزب هو المحطة الأساس للوقوف عند سؤال الوجود المرتبط بما سبق ، بكل ما يحمله ذلك من تفكير واقعي عقلاني ، بقدر ما يبحث عن معنى أن نكون اتحاديين اليوم ، بقدر ما يضعنا أمام قوة التنظيم الاتحادي القادر على إنجاح التصريف النضالي لأسباب و جودنا في المشهد السياسي الوطني ، و هو ما يعني اليوم ، و كأولوية مرتبطة بالواقع المعيشي ببلادنا ، ضرورة الانطلاق مما هو كائن للتفكير في الممكن بدءا من القراءة النقدية السليمة لمجمل الوقائع المؤثثة للحياة السياسية الوطنية منذ حوالي عقد من الزمن أو أكثر ، وصولا إلى ملامسة طبيعة الوهن الذي أصاب حزبنا في علاقته مع قواته الشعبية و علاقته مع ذاته الاتحادية أساسا ... و الأولوية هنا ، كوجهة نظر قابلة للنقاش ، تكمن في تحديد و توضيح الخط السياسي للحزب ، موقعه في الحياة السياسية الوطنية ، مدى إنصاته و التقاطه لرسائل الجماهير الشعبية ، إستراتيجيته النضالية في السنوات المقبلة ، خطوطه الحمراء التي بتجاوزها تسقط حبال التوافقات بشتى تمثلاتها ، تحالفاته و أسس الارتكاز عليها دون غيرها ، و أخيرا و ليس آخرا قوة القرار الاتحادي و مدى ارتباطه بالقاعدة المناضلة و بعده عن التوافقات الفوقية المخلخلة للثوابت الحزبية ... و مما لا شك فيه ، في هذا الباب ، أن المؤتمر الوطني الثامن للحزب في شقه المنعقد يونيو الماضي ، قد تميز بفورة النقاش اللصيق بهموم الوطن و المواطن ، لكن الترابط السياسي و التنظيمي في مثل هذه المحطة الهامة ، خاصة في ظل محاولة اختزال أشغال المؤتمر في الحديث عما سمي بالنظام الانتخابي اللائحي ، يسلط الضوء على أهمية الحسم في الأولويات ، ليس من باب إقصاء نقطة ما لصالح أخرى ، و لكن بحثا عن الولادة الهادئة ، و ليس بالضرورة القيصرية ، لحزب جديد ذي سكة نضالية صلبة واضحة ، مرتبطة بالوطن و المواطن ، و قادرة على حمل القطار التنظيمي الذي لن تكون لحداثته أو بنيته الصلبة أهمية إذا لم تكن السكة التي تحمله ماركة مسجلة باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، خاصة و نحن أمام بوادر عودة قوية ، لعقلية مخزنية تختزل الوطن و المواطن في حساباتها الفئوية الضيقة المحيلة على مرحلة من الجمر. و لعلنا بالاستثمار الجيد للمرحلة التي تفصلنا عن مواصلة أشغال المؤتمر ، سنكون قادرين حتما على تدبير أي اختلاف في الأفكار و الرؤى ما دامت تنهل أولا و أخيرا من المشترك الاتحادي أي ذلك المشترك القادر على مدنا بالجواب الاتحادي للمرحلة المقبلة بكل الوفاء و الإخلاص لقيم الحزب و تاريخه ، و كذا ، و هنا مربط الفرس ، بكل الحضور المزعج لكل من يتوهم بأن الاتحاد سائر إلى زوال ... للحديث بقية ...