تشكل الحاجة إلى القراءة الموضوعية الهادئة و المتفحصة لما وراء نتائج اقتراع السابع من شتنبر، مطلبا هاما و جوهريا في ظل تواتر القراءات و التحاليل المؤسسة على ردود الأفعال و الإنتظارية المرتبطة بما وراء تعيين الوزير الأول و احترام المنهجية الديمقراطية. إذ بصرف النظر عن طبيعة التشكيلة الحكومية المرتقبة، و طبيعة مكوناتها السياسية، تقف العديد من المعطيات اللصيقة بمدى تجاوب الشعب المغربي مع مختلف التحولات التي تعيشها البلاد، كحاجز رئيسي يفصل بين حقيقة التأسيس للدولة الديمقراطية الحداثية المنشودة ، و حقيقة الواقع البعيد نسبيا عن أسباب تحقق ذلك وفق الشروط المؤسساتية الحالية. فالشعب الذي قاطع الانتخابات التشريعية الأخيرة بنسبة جد مقلقة، لا شك يضع البلاد بمختلف مكوناتها أمام سؤال الحافز القادر على وضع هذه الأخيرة على سكة الفعل الإيجابي المستند أولا و أخيرا على الاعتراف الكلي بسلطة الشعب كموجه رئيسي لكافة الاختيارات المحتملة، في سياق تحقيق شروط التنمية الاقتصادية و الاجتماعية المستدامة، خاصة ما يتعلق بالجانب المؤسساتي الذي يفترض منا البوح بآنية الإصلاحات الدستورية و المؤسساتية كمدخل قادر على تعبيد الطريق أمام إرادة شعبية واضحة، قادرة على ترجمة الوعي بالانخراط في عملية التغيير كوجه من أوجه المواطنة الكاملة . فالملاحظ أنه بالرغم من مختلف الأوراش الكبرى التي تعرفها بلادنا ، و بالرغم من حقيقة التحول الإيجابي المنذر بمستقبل واعد تنعكس تجلياته على مختلف شرائح المجتمع المغربي، نقف و بكل قلق عند الهوة العميقة التي باتت تفصل بين المواطن و الشأن العام، إذ تؤكد نسبة المشاركة الضعيفة في اقتراع السابع من شتنبر حدوث شرخ كبير ما بين ضخامة الأوراش المنجزة بالبلاد و طبيعة تمثلها أمام المواطن الغارق في دوامة التساؤلات المرتبطة بواقعه الاقتصادي و الاجتماعي، و لا أدل على ذلك نسبة المشاركة ببعض مدن الجهة الشمالية للبلاد، التي بقدر ما استفادت طيلة السنوات الأخيرة من إصلاحات و اهتمام كبيرين، بقدر ما ابتعد فيها المواطن عن صناديق الاقتراع فيما يمكن تشبيهه بنوع من الاستسلام المرتبط قطعا بغياب الإحساس بالجدوى من العملية الديمقراطية برمتها. بحيث يحضر سؤال الحافز من جهة و سؤال مسؤولية الدولة بمختلف مكوناتها في تحقيق ذلك من جهة ثانية، كأمرين لهما الأولوية التي تظل وحدها الجسر الرابط بين كل إصلاح و عقلية المواطن. و هو ما يفترض من كل الفاعلين الوقوف وقفة تأمل تقطع في شق كبير منها مع الذات ، لتضع و بحق شروط تحقق التعبئة الجماعية المؤسسة على رأي عام قوي يضع مصلحة الوطن و المواطن كهدف أوحد و وحيد، من خلال ما يمكن أن نضعه في خانة الجيل الجديد و المتجدد من المطالب، أي تلك المطالب المرتبطة بالقيام بإصلاحات دستورية و مؤسساتية أساسية ، بدءا من توفير شروط قيام حكومات قوية ذات صلاحية حقيقية تقطع مع الضبابية السائدة حاليا ، مرورا بترسيخ مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، وصولا إلى إعلام حر و متحرر من شوائب التردد و الانسياق وراء رؤى و اختيارات تزيد من نفور المواطنين عن متابعة ما يقع بالبلاد. إذ ما بين طرح هذه المطالب و تلك، يمكن أن نقف عند سبل تفعيل الطاقات البشرية الكامنة ببلادنا، من خلال مختلف مطالب الإصلاح التي يمكن أن تبرز من خلال النقاش أو السجال أو حتى الاحتجاج الذي يمكن أن ينتج بدوره عن أفكار و مقترحات دون أخرى. فالمجتمع المغربي في الحاجة اليوم إلى فتح الباب على مصراعيه أمام لغة الحوار و الإنصات، و هو أمر يعني الدولة أولا و أخيرا، لأنها المعنية الوحيدة بفتح ذات الباب، إذ آنذاك سيقف المواطن عند حقيقة الأحزاب السياسية المواطنة، و حقيقة الأكشاك الحزبية التجارية، و حقيقة مدى قبول الدولة نفسها لتجسد الفرق بين هذه و تلك، أما دون ذلك فسيكون على بعض الأحزاب أن تواصل نضالها و بكل ثبات كما هو حالها دائما من أجل أن تنتزع مكاسب جديدة، و هو أمر لا يمكن أن تحد منه كبوة و لا نصر قادمين من محطة أبى فيها المواطن إلا أن يوجه رسالته من بين السطور، و هي الرسالة التي لا شك يدرك حزب عبد الرحيم بوعبيد جوهر مضمونها، و لنا في ذلك وقفة أخرى.
