الملاحظة الأولية التي يمكن الوقوف عندها, وبكثير من الإلحاح, هي تلك المتعلقة بأشكال التعاطي مع المعطيات الاجتماعية, المرتبطة في جانب كـبـير منها بالفقر المتمكن من شرائح واسعة من الشعب المغربي. و منها على الخصوص: ظاهرة الدعارة, التي نالت مساحة كبيرة من اهتمامات المنابر الصحفية, خاصة مع قضية القرص المدمج, الشهيرة... بحيث ظلت القراءة الأخلاقية, وتركيز الاهتمام على مساس الظاهرة بقيم المجتمع المغربي المسلم, عنوانا بارزا في تفاعل المحيط مع الأخيرة, دون الانتباه إلى كونها ظاهرة تاريخية عالمية, ترتبط جذورها بحالة اجتماعية سيئة, تجسد و بحق, حالة من التمرد على قيم غير قادرة على تمكين الفرد من كرامته , و ضمان استقلالية اختياراته الغارقة في التنازلات المفروضة بحكم الواقع . هذا الأخير... الذي تلجأ فيه فتيات في سن الزهور إلى تقديم أجسادهن ببخس الأثـمان, بضاعة, في سوق السلبية المتمكنة من حبال الفقراء, و دهاء الخفافيش المستفيدة من القيمة المضافة التي يخلقها لهم الفقر و مخلفاته الاجتماعية... نجد فيه البعض, و منهم أصحاب التوجه المحافظ أو الرجعي, يشددون على تناول الظاهرة في بعدها الديني و الأخلاقي, بما يضمن بروزهم أمام المجتمع كحماة للقيم, مع العمل على تجنب الخوض في حيثيات الظاهرة و أسبابها, لما في ذلك من إمكانية المساس بمصداقية خطابهم الاخلاقوي, و كذا الرجة الممكن وقوعها في عقلية المواطنين, و انقلاب ردود أفعالهم اتجاه ظاهرة اجتماعية أكثر منها أخلاقية. لنكون من جديد أمام سؤال التناقض المتفشي في المجتمع, بحيث تصبح العاهرات في قاموس المتأسلمين, مثلا, أرقاما هامة في حسابات الانتخابات , بل مواطنات كاملات المواطنة, و ذلك, شيء من الخبث اللازم في تفاعل المصلحة مع نقيض القيم ... تماما, كما هو الحال عندما نرهن سنوات من حركية الوطن في البحث عن العلاقة بين السياحة الجنسية في مراكش و زلزال الحسيمة !!! وكأن الجواب على ذلك, كفيل بإيجاد حلول لمشاكل البطالة و الجهل و الفقر و غيرها من صور البؤس, القائم بالأساس على إدماننا استهلاك الجاهز من خطاب السلف, و خوضنا في الشكليات الثانوية البعيدة عن جوهر الموضوع المتمثل في أنانية حساباتنا...
و عندما نطرح الدعارة كمثال حي على تقاطع القيم مع الواقع المعيش , فإننا نهدف بذلك إلى تعـبـيد الطريق نحو تناول مجموعة من الأمراض التي بدورها تشكل علامة بارزة في ذات المشهد, و هي الأمراض التي يصعب إرجاعها إلى غياب الأخلاق, بقدر ما تجسد بعضا من ثمار التنشئة الاجتماعية, القائمة على المصلحة الفردية و البحث عن موقع قدم داخل المجتمع, بشتى الوسائل المشروعة و غير المشروعة... فالحديث عن الرشوة وغياب الضمير المهني و الزبونية و الغش و الفساد الإداري ... و غير ذلك, لا يمكن أن يختزل في ابتعاد الأفراد عن الدين أو الأخلاق, لأننا نعرف جميعا بان الأخلاق, هي غير ملزمة بالمفهوم القانوني, مثلما هو الحال بالنسبة للدين. و بالتالي يكون المعطى المؤسساتي ...المبني على التوجه نحو الفعل القانوني, المستند في قواعده على مختلف العوامل المتحكمة في سلوكيات الأفراد... مطلبا ملحا في طريق القطع مع سلبية التفاعل مع أخطائنا المتراكمة. الأمر الذي يستدعي قبل كل شيء تهيئ شروط التمكن من مفاتيح الواقع, من خلال التشديد على أهمية البناء القانوني, الذي يظل وحده, الضامن لاستقرار المجتمع و تطوره. لأن عكس ذلك, يعني رهن سنوات أخرى من حياتنا في شكليات متجاوزة... بحكم الواقع... تزيد من تأخر بلادنا و ابتعادها أكثر عن ركب الدول المتقـدمة, التي تعرف كيف تؤسس لمجتمع القيم و الأخلاق , من خلال تجاوز المعيقات الموضوعية قبل الخوض في الشكليات, و ما منع التدخين في الأماكن العمومية ببعض الدول, و فعالية تطبيقه إلا نموذج بسيط على ذلك... و من ثم إذن: هل نعتبر ما تطرقنا إليه كافيا في الجواب على ذات التناقض؟ أم هي فقط نقطة ماء في بحر من الاستشكالات الكبرى المتمكنة من واقعنا؟ و لم لا القول بان الخلل يحضر في تمثلات القيم الأخلاقية التي تسود مجتمعاتنا, و طريقة فهمنا لها؟ ... القفز على الواقع مسألة ترتبط في مدلولها بنوع من الفشل الجماعي في مواجهة تراكمات الماضي. و إقفال الباب أمام الملامسة العقلية لمشاكلنا المعيشة , هو الآخر شيء من الإصرار المعنوي لدى البعض في حفاظهم على المواقع, كما أن الأنا المتحكمة في سلوكيات الأفراد تظل العمود الفقري لحالة الانـتـظارية المتفشية في المجتمع, خاصة مع تعظيم الذات والتوجس من الآخر...
فبالعودة إلى ثقافة التجرد من الأخطاء و إلصاقها بالآخر, فيما يعرف بنظرية المؤامرة, يمكن أن نقف عند حقيقة المشاكل التي نعيشها, المتمثلة في التهرب من تحمل المسئولية و العمل على تركها في ملعب الآخر, دون أي اعتبار لمنطق القيم الأساسية المحددة لمستويات الإدراك الإنساني في بعدها الاجتماعي, أي تلك التي تجعل من الآخر عنصرا مساعدا في البناء. إذ لا يمكن أن نتحدث عن القيم و الأخلاق في غياب الاعتراف بالآخر, بمشاكله, انتظاراته و أدواره داخل المجتمع. فالأخلاق لا يمكن بتاتا أن تتناقض مع الإنسانية, و إلا فهي مجرد إيديولوجية نستهلكها دون وعي بحقيقة مآلها. ذلك أن المشترك الإنساني يدفع إلى تقاسم الحياة, مع تحمل المسؤولية في شتى ألوانها, و بالتالي يجب أن نحتاط من الذوبان في فلك السطحية السلبية, لان الفقر لا يعـترف بالأخلاق, بل لا يعترف حتى بالأديان نفسها. كما أن إرادة الجشع و الطمع لا تستسلم أمام خطاب القيم, الأمر الذي يتطلب انقلابا على القيم نفسها, مادامت لا تؤثر في المجتمع سوى بالشكل الذي يمنع اتخاذ المواقف و القرارات الكفيلة بتطويق الظواهر المتفشية في المجتمع, و هو ما يعني كذلك أنها قيم سلبية يرتبط حضورها بمصالح القوى المحافظة, لأن التشبث بها و تعطيل المبادرات المجددة باسم الحفاظ عليها يساهم في تفاقم الأوضاع, و بقاء الأمر على حاله لا يمكن أن يخدم بلادنا, و بالتالي تكون الأولوية في بناء المستقبل للواقعية المجردة من كل حساسيات أخلاقية, لأن الاقتصاد المتين و البنية الاجتماعية السليمة, كفيلان بالحفاظ على كافة القيم الإنسانية, التي تظل في جوهرها رهينة برؤية الواحد منا للآخر, و مدى استعدادنا لتقديم التنازلات في سبيل المصلحة الجماعية المفتقدة في سوق القيم المضللة ... و للحديث بقية....



