مع اقتراب موعد الانطلاقة الرسمية لبرنامج العطلة للجميع، سيكون من المفيد أن نقف عند إحدى الجوانب السوداء المرتبطة بفهم البعض للأهداف المؤطرة لهذه العملية التربوية المجتمعية ، من خلال تسليط الضوء على ظاهرة نعتبرها ذات وقع خطير على نفسية الطفل، المعني الأول ببرنامج العطلة، و حقه في قضاء أوقات من الفرح الايجابي المفيد. بحيث يسجل واقع المخيمات الصيفية التربوية حالات شاذة للعديد من الجمعيات الاسلاموية، التي تعمد إلى استغلال مرحلة التخييم في ممارسة طقوس الشحن الإيديولوجي في حق طفلات و أطفال المخيم المغلوبين على أمرهم، و تحويل لحظات الفرح، المفترض تحقيقها لهم طيلة خمسة عشر يوما من عمر عطلتهم، إلى مناسبة للسطو على عقول الناشئة و فتحها أمام سموم الخطاب المضلل لحركات الإسلام السياسي، فيما يمكن تشبيهه بعملية الاختلاس الممنهج لحق الطفولة في الفرح، خاصة و أن الوعود العسلية السابقة لمرحلة التخييم تسيل لعاب الآباء و الأمهات قبل أطفالهم، لاعتقادهم بصحة الوعود الكفيلة بمنح فلذات أكبادهم أفضل شروط الفرح اليومي ، فيعمدون إلى تقديم أبنائهم لقمة سائغة في يد الجشع الأصولي الباحث عن أبسط السبل الكفيلة بالتمكن من مستقبل الوطن... طيب إذن، لنتخذ من بعض الأمثلة طريقا نحو فضح الاسلاموية المنقضة على حق الطفولة في العطلة و الفرح، و لنجعل من أحد المخيمات المنظمة من طرف حركات الإسلام السياسي مرآة تعكس ما نروم الوصول إليه... عادة يكون الاستيقاظ بالمخيمات الصيفية على الساعة السابعة صباحا، لكن في ظل المشروع الظلامي للجمعيات الاسلاموية، على الطفل أن يستيقظ في الساعة الخامسة صباحا، بعد أن يكون مكبر الصوت قد أطلق العنان للأدعية و البكائيات الهائمة في الجهل و التخلف، الأمر الذي تسبب أكثر من مرة في مشاكل مع مخيمات الجمعيات المجاورة التي لا تستسيغ الإزعاج اليومي الممارس عليها. بعد صلاة الفجر التي تتم وفق مقاييس خاصة بالإسلام الخاص جدا بفقهاء الظلام الجمعوي، يكون هناك مجال للشحن الإيديولوجي المستمر، إذ بدل استقبال اليوم الجديد بالأناشيد التربوية الفرحة بإطلالة الشمس و النسيم العليل و شذى العصافير، يصبح الحديث عن عذاب القبر و أبا لهب و ما إلى ذلك من خطابات التضليل و الترهيب، زاد الأطفال اليومي المسلط عليهم... على الريق ... أي قبل وجبة الفطور نفسها.. ونتساءل: هل أبالغ فيما أكتب؟ لا شك أن العديد من القراء قد وقفوا عند العديد من الأمثلة المشابهة، و بالأخص منهم أطر الجمعيات التربوية، الأمر الذي يجب أن لا يقف عند حدود النقاشات الداخلية المرتبطة بمتابعة البعض لما يقع، بل يجب أن يمتد إلى الوقوف في وجه التلاعب الخسيس بمستقبل طفولتنا، لأن مخيمات الجمعيات التربوية لها دفتر تحملات، و من الضروري العمل على مراقبة ما يقع و الضرب على يد المتلاعبين بأهداف المخيم كمؤسسة للتربية و الفرح الجماعي. و حين ألجأ إلى تكرار مصطلح الفرح فلأن لحظة الحياة الوحيدة التي يرى فيها فقهاء الحركات الاسلاموية سببا للاحتفال تكون عندما ينجحون في الدفع بالطفلات البريئات إلى وضع الحجاب ... طبعا بالمقاييس التي تميز كل جماعة عن أخرى... فترى حركة غير عادية بالمخيم، و ترى التمر و الحليب، لنصبح أمام فضاء للتخييم يحضر فيه الخطاب المبني على ثنائية الطفلة المتبرجة أو المحتجبة. و نتساءل من جديد: هل يمكن أن يتحول الدين إلى مجرد لعبة تربوية؟ لا شك يمكن أن نلجأ إلى بعض الألعاب لتحبيب بعض المجالات المرتبطة بجوهر الأديان لطفولتنا، لكن أن نجعل من الدين لعبة جوهرها صرف الأطفال عن التفكير في الحياة، و إسقاطهم في فكرة حياة ما بعد الموت دون غيرها، فتلك هي الطامة الكبرى التي تجعلك تصادف طفلة في سن الزهور و هي تبكي ندما على قدومها للمخيم، << لم أعد استطيع النوم، أخاف الموت دون رؤية والدي>> .. بلكنة شمالية جميلة و بحزن باد على الوجه، يدرك الفرد منا حقيقة الأيام السوداء التي تحول فرحة الطفل بالمخيم إلى جحيم من الانتظار الممل لنهاية مرحلة من التخييم القائم على غسل دماغ طفولتنا البريئة . و لست هنا بمن يتحامل على الحركات الاسلاموية التي نجهر دائما بوقوفنا في وجه مشروعها الظلامي، و لكنها الحقائق التي نقف عندها كل مرة، و نحن نتابع عن قرب قدرتهم على استغلال سلطتهم المعنوية على الأطفال، لحشد المزيد من الأتباع و المريدين بأعين مغمضة و عقول مقفلة... و نستمر في التساؤل: بأي حق تمنح الحركات الأصولية لنفسها فرحة مختلسة من بوابة الطفولة؟ طبيعة السؤال تستمد مشروعيتها من بريق الانتصار المثير للغثيان الذي يعلوا أوجه أطر الظلام و هم يقفون عند عصارة خطابهم المضلل و أثره في نفسية الطفل. إذ في ظل السيطرة التامة على نمط العيش، طيلة أسبوعين من الزمن، تتحقق الأهداف المسطرة بكل دقة داخل المخيم، و تنجح قوى الظلام في سلب الطفل شخصيته و إدخاله في دوامة من الأحكام الجاهزة البعيدة عن متطلبات التنشئة السليمة لأجيال القادمة... ببساطة صادمة، تسمح جمعيات الفكر الظلامي لنفسها باختلاس الفرحة و الاستئثار بها على حساب حق الطفولة في لحظات من الحنين إلى نسائم الخيال، و حين نقول الطفولة، فالأكيد أن السواد الأعظم من الأطفال المستفيدين من المخيمات الصيفية ، هم من أبناء الشرائح الاجتماعية الفقيرة و المتوسطة، ما يعني انه اختلاس مضاعف لحق البسطاء من أطفال الوطن، لأنهم في ظل الحسابات الظلامية لحركات الإسلام السياسي مجرد قوالب للشحن المؤسس لدولة الخلافة، بل أكثر من ذلك يصبح البعض منهم مجرد مشاريع لقنابل موقوتة قد يحتاج إليها فيما يقبل من السنوات، و قد وقفت شخصيا عند قوة الهزة النفسية التي يتعرض لها الأطفال في مخيمات الإسلام السياسي ، عندما دعوت أحد اليافعين لحضور نشاط لحركة الطفولة الشعبية بوزان، فأجابني بأن الله قد عفا عما سلف و كأننا نمارس طقوس عبادة الشيطان بالجمعية ، الأمر الذي أدركت سببه عندما علمت بوقوعه في فخ الانتهازية الأصولية المستغلة لبراءة الطفولة. و حتى لا نثقل على القارئ بمزيد من الأمثلة المؤلمة، سيكون من المفيد أن نكرر الطلب الداعي إلى ضرورة مراقبة ما يحدث بالمخيمات ، و مواكبة الأنشطة المبرمجة لذلك، لأن الحديث عن ضرورة الاهتمام بفضاء المخيم، التغذية، المبيت و السلامة الجسدية، يجب أن لا ينسينا السلامة العقلية و النفسية للطفل، و هي مسؤولية يتحملها جميع الفاعلين و المتدخلين في المجال، حتى لا يتكرر مشهد ذلك الطفل الذي أصابه الخجل من أصدقاءه بعدما استقبلته أمه بمحطة القطار بلباسها الرياضي و شعرها العاري، في وقت كانت فيه أمثالها من النساء يوصفن في مخيم الظلام بالفاجرات المتبرجات، و كم من فجور يمارس من وراء حجاب... لنا في ذلك حديث آخر...
rabat le 26/06/2006