إن أخطر ما يمكن أن يصيب بلادنا في الظرف الراهن هو أن يغيب الإحساس بالاستقرار و يحل الخوف محل الطمأنينة و الأمان، خاصة في ظل واقع معيشي يبعث على القلق و الشك في طبيعة ما تحمله الأشهر المقبلة من وقائع و أحداث ليس من السوداوية القول بأنها ستكون صعبة و عصيبة. فإذا كان المشهدان الحقوقي و السياسي يغليان بسبب توابع الكشف عن الخلية الإرهابية الأخيرة من جهة، و بروز بعض ملامح ما تحمله أجندة ما سمي بحركة كل الديمقراطيين من جهة ثانية ، و عودة هاجس تفويت أملاك الدولة و الجماعات المحلية بمنطق الدراهم الرمزية من جهة ثالثة، فإن الجانب الاجتماعي بدوره يعيش حالة غليان مقلق بسبب الارتفاع المتواصل للأسعار و انهيار القدرة الشرائية للمواطنين الغارقين في دوامة العطالة و الفقر و قـلة الإمكانيات، بالشكل الذي بات يهدد و بقوة مسيرة البلاد نحو تثبيت أعمدة استقرارها الهشة. و لعلنا في هذا الباب، و من خلال الربط بين كل ما هو حقوقي و سياسي و اقتصادي و اجتماعي، و محاولة إسقاط ذلك على تمثلات المرحلة الراهنة ، سنلاحظ ، و بغير قليل من القلق، بأن راهن مغرب ما بعد السابع من شتنبر قد بات يشكل فجوة حقيقية تفصل مرحلة الانتقال الديموقراطي عن عوامل استمراريتها في مسار بناء الدولة الديموقراطية الحداثية المنشودة، فيما يمكن تشبيهه بانهيار الجسر الرابط بين ما تحقق و ما كانت الإرادة الجماعية تروم تحقيقه . فإرادة التغيير و الإصلاح لم تعد كما السنوات القليلة السابقة مرتبطة برهان الانخراط الجماعي لكل مكونات الوطن المغربي في تحقيق التجاوز الإيجابي للماضي المؤلم و البحث عن سبل البناء الجماعي للمستقبل المشترك، كما أنها ، أي إرادة التغيير ، لم تعد مؤسسة نفسيا على الثقة في معطى الحرية و الانفتاح الحقوقي كعاملين محفزين على الانخراط ولو بالرأي كأضعف الإيمان في سلم المواطنة، و مرد ذلك راجع بشكل كبير إلى الإحساس شبه الجماعي بأن البلاد تظل في العمق حبيسة نفس المنظور القديم، و لكن بصيغ تتماهى و مطلب تصريف بعض لمسات الممارسة الديموقراطية ، و بأنها ـ البلاد ـ في غير الحاجة إلى أي فعل جماعي مساعد على تسريع وتيرة التحولات بها ما دامت رهينة رؤية تدبيرية تحصر الفعل و المبادرة في المؤسسة الملكية دون غيرها ، بالإضافة إلى عودة ذلك القلق المتمثل في الرهبة من معطى التهم الجاهزة بدءا من المس بالمقدسات وصولا إلى ما رحم ربك... إذ هنا يطرح سؤال استقرار الوطن و بقوة ، و هنا مكمن الخلل الكفيل بإعادة إنتاج الماضي، لأن الأمر بات يتعارض و مطلب البناء الديموقراطي، بل انه يعاكس جل مضامين الخطب الملكية الداعية إلى مشاركة و إشراك المواطنين في مشروع النهوض بالبلاد و تسريع وتيرة التحولات الاقتصادية و الاجتماعية التي تعرفها، خاصة في ظل ارتباط العديد من بواعث القلق بممارسات بعض الشخصيات المفترض أنها عمومية و التي باتت تتعامل مع واقع البلاد كحلقة خاضعة أولا و أخيرا لمنطق الذاتية و الفئوية في معاكسة جلية للمسار الذي سارت عل بلادنا منذ سنوات قليلة، بحيث تتكسر بفعل ذلك مجمل الرؤى المتفائلة بالمستقبل أمام جدار الممارسات الباعثة على الشك في كون الوضع الحالي ببلادنا يمكن أن يكون مدخلا حقيقيا نحو غد أفضل كما هو مأمول. فالمواطن المغربي أصبح يواجه بسيل من الوقائع المحبطة و القاتمة، خاصة بالنسبة للفئة المتتبعة و المراقبة للشأن العام، على قلتها، و هو ما يضع مجمل ما تعرفه البلاد في خانة الشك، بل أن الدولة نفسها تصبح موضع اتهام في كل ما يمكن أن يصدر عنها من قرارات أو أخبار، و ما التشكيك في رواية وزارة الداخلية بخصوص خلية بلعيرج إلا نموذج بسيط على ذلك، الأمر الذي يمكن تشبيهه بانقلاب السحر على الساحر، خاصة في ظل مراهنة البعض على النيل من الأحزاب و توهم إمكانية الحلول محلها بين عشية و ضحاها ، و رهان البعض الآخر على الخلل الضارب أطنابه في الإدارة المغربية و الجماعات و المجالس الحضرية و القروية لامتصاص خيرات البلاد في استغلال صريح لمواقعهم داخل أجهزة الدولة، متناسين أن الشعب و إن طال صمته و صبره تأتي عليه لحظات تنفجر فيها غضبته المشحونة برفضه التام للعديد من الشوائب المؤثثة للحياة العامة ببلادنا، و هو الشعب الذي ليس ثمة أمر يمكن أن يتهدد بلادنا أكثر من سياسة إبعاده و تهميشه و اعتباره قاصرا لا حول له و لا قوة اتجاه مختلف التحولات التي تميز المغرب عن العديد من البلدان المشابهة. فاستقرار الوطن مرتبط بإرادة المواطن، و هذه الأخيرة تفترض من الجميع وضوح المعطيات و شفافيتها ليكون كل فرد من أفراد المجتمع أمام حقيقة الوضع ببلادنا، سواء في أوجهه السلبية أو الإيجابية، و الملاحظ في هذا الباب أن الإرادة الجماعية ببلادنا، بما في ذلك الإرادة الملكية، تلتقي في هدف المسير بالبلاد صوب المغرب الديمقراطي المحتضن لكافة أبنائه ، لكنها تصطدم للأسف بعقلية قديمة/جديدة تنظر للمواطن المغربي بمنطق (( أحرس الباب جيدا حتى لا يلج منه أمثالك )) ، و هو ما سنعود إليه في مقال لاحق....
